آثار الحرب الباردة ونشوء نظام القطب الواحد على بنية النظام السياسي العربي
لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي حدثاً روسياً فقط ، بقدر ما كان بداية تحول نوعي في مسار التطور العام للبشرية ، عملت الولايات المتحدة على إنضاج وتفعيل تراكماته الداخلية والخارجية ، تمهيداً لدورها الذي تمارسه اليوم كقطب أحادي يتولى إدارة ما يسمى بالنظام العالمي " الجديد " ويلقي بظلاله على النظم السياسية في العالم العربي بشكل مباشر وغير مباشر.
وكما كانت ثنائية القطبية تحدد العلامة الأبرز للتحالفات بين الأنظمة السياسية العربية مع أطراف الحرب الباردة، وبأنماط سلوكية محددة، أصبح لنظام القطب الواحد أثره البالغ في بنية النظام السياسي العربي، ويتضح ذلك في الأنظمة التي كانت متحالفة أصلا مع الولايات المتحدة وتلك التي كانت اقرب إلى الاتحاد السوفيتي فكرا وسياسة.
خلال أزمة السويس عام 1956 هدد الاتحاد السوفيتي صراحة باستخدام القوة النووية، وبسبب تصاعد رغبة القوة العظمى لمنع تواصل دولة أو أكثر من الدول العربية مع القوة العظمى الأخرى فقد تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى أكثر المناطق اختراقا في العالم، ووفقا لمدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية فقد كانت السياسات الإقليمية في فترة الحرب الباردة للدول العربية استجابة للتصاعد والانخفاض في حدة الصراعات بين القطبين العظميين نتيجة اعتماد تلك الدول على المساعدات العسكرية والاقتصادية المقدمة لها من القوى العظمى، فقد كان على السياسات الإقليمية. وهكذا فإن المنطقة العربية كانت واحدا من المسارح الهامة للحرب الباردة التي كانت تتيح للعرب مساحة واسعة للمناورة بين القطبين المتصارعين، كما أنها كانت توفر نصيرا دوليا -سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا- للدول العربية في قضاياها المختلفة وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية.
هذا الوضع اختلف جذريا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. فالأنظمة السياسية العربية في اغلبها غير ديمقراطية، ما ينعكس على ضعف القاعدة الشعبية؛ وبالتالي تكون فكرة التحالف مع قوة عظمى كالولايات المتحدة ناتجة عن خنوع وابتزاز من الطرف الأقوى أكثر منها كتطلع لتحقيق أهداف إستراتيجية لا تتأتى إلا عبر التحالف مع أطراف أخرى. فمثلا لم تنجح تحالفات الأنظمة السياسية بالدول المؤثرة في الساحة العربية في ثني أمريكا عن تقديم دعم غير محدود لإسرائيل التي أصبحت اقرب إلى الأنظمة العربية في الخليج والمغرب ودول الطوق بعد انفراد الولايات المتحدة كقوة سياسية واقتصادية وحيدة في العالم.
وليس ذلك فقط، فقد أغفل العرب عوامل التعايش مع قضية القطبية الأحادية ما مكّن واشنطن من تحقيق غاياتها دون الكثير من المشقة فالاجتياح العراقي للكويت توج الولايات المتحدة ملكة علي عرش السياسة الدولية؛ إذ أعطي هذا الحدث المبررات اللازمة للبيت الأبيض لتفصيل خارطة العالم علي المقاييس الأمريكية، وأصبحنا نتحدث عن وجود عسكري أمريكي قوي في دول الخليج ومياها وأجوائها، وهو ما ساعد الولايات المتحدة على سلب الإرادة السياسية من النظم الحاكمة في هذه الدول، وعمدت أمريكا إلى غرس فكرة الخوف من نظام صدام حسين ما أعطى مبررا رسميا وشعبيا لتواجد القوات الأجنبية في الخليج. وفي المحصلة أصبح التحالف بين الجانبي أقرب من الوصاية منه إلى التحالف لتحقيق مصالح مشتركة.
وبالمقابل ازدادت وتيرة العقوبات الاقتصادية التي كانت تفرضها واشنطن على دول عربية إبان الحرب الباردة وأصبحت تعبيرا واضحا لمنهج القطبية الأحادية منذ أوائل التسعينيات في تسيير شؤون السياسة الدولية، واستخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الشرعية الدولية والأمم المتحدة لفرض عقوبات أشد على العراق وليبيا والسودان، وتم ذلك على الرغم من إعاقات داخل مجلس الأمن من جانب دول كبرى ما أعاق في بعض الأحيان تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية إزاء بعض القضايا والمواضيع الدولية ومنها موضوع التعامل مع الدول العربية الثلاث سابقة الذكر وغيرها. ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى صدام وإن كان غير معلن بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية عوضا عن خلافات مستمرة بين أمريكا وكل من روسيا الصين، واتضح ذلك في القترة التي سبقت غزو العراق عام 2003.
وأصبحت المنطقة العربية المسرح الرئيسي للحرب في فترة العولمة، وتعددت مسارح هذه الحرب من أفغانستان إلى العراق إلى الصومال إلى لبنان إلى السودان، وحتى القضية الفلسطينية تغيرت ملامحها القومية لكي تأخذ صبغة جديدة ذات ملامح حضارية واجتماعية وحتى دينية.وقد خلق ذلك نوعا من الحنين العربي إلى فترة الحرب الباردة التي كانت تتيح هامش المناورة.
والثابت من المقارنة بين الأوضاع الدولية بين الفترتين -الحرب الباردة والعولمة- أن العنصر الفيصل في الحالتين كانت القدرة العربية في الاستجابة المستقلة للحالتين. فخلال الحرب الباردة خلق الانقسام العربي بين المعسكرين حالة من "الحرب الباردة العربية" كانت سببا رئيسا في الضعف العربي واستنفاد القوة العربية السياسية والعسكرية كذلك في منافسات عقيمة. وكان اعتماد قوى عربية رئيسية مثل مصر وسوريا على الاتحاد السوفيتي اعتمادا على القوة الأضعف من الناحية التكنولوجية العسكرية، والأخطر كان استعارتها الكثير من نظامه السياسي والاجتماعي الشمولي والمتخلف، بينما كانت إسرائيل -وهي الطرف المقابل- تحصل على الديمقراطية والتفوق التكنولوجي العسكري والمدني معا من الجانب الأخر الأميركي والغربي في العموم.
العرب ليسوا غير جاهزين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وتكنولوجيا للتعامل مع العولمة- والتي هي أهم إفرازات القطب الواحد- ، بل إنهم بأشكال مختلفة يعيشون حالة من المقاومة لها سواء على المستوى العملي أو على المستوى القيمي والثقافي. وكانت نتيجة هذا الوضع هو نمو تحالف عالمي واسع يتجاهل من ناحية القضايا العربية الرئيسية وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية، وإنما أيضا يكاد يأخذ قرارا بفرض نوع من الحصار النفسي والسياسي -وأحيانا المادي والعسكري- على الدول العربية الأمر الذي افرز حالة من عدم الاستقلالية في صنع القرارات عربيا. مثلا يبدو لمتابع الأحداث والمواقف والتطوّرات على الساحة العربية ، أنّ عجلتها تتوقف أثناء المعركة الانتخابية الأمريكية وتستأنف دورانها بعد أن يقرّ قرار الرئيس الجديد على "نوعية" الاهتمام بالقضايا العربية وحجمه وتوقيته.. حتى إذا مضت فترة الانتخابات، بحث أصحاب عجلة السياسة العربية عن موقع ما لها في مؤخرة ركب عجلة الرئاسة الجديدة.. ولكن هذا بالذات ما بدأ يتصاعد مع حجم الرفض الشعبي العربي والإسلامي له ولمن يمارسونه على قدر ما يلهث هؤلاء وراء السياسات الأمريكية، بل يمتد ذلك الرفض إلى مناطق أخرى عديدة من العالم، بدرجات متفاوتة على الصعيد السياسي وليس على الصعيد الشعبي فقط.
في عام 2000 م فقط بدأت في المنطقة العربية ظاهرة قد تتحوّل تدريجياً من "تململ" شعبي تجاه الهيمنة الأمريكية وما تجده من تبعية محلية، إلى "انتفاضة" شعبية، لا يمكن تجاوزها ببعض التصريحات المؤقتة والمؤتمرات الكلامية، لكن لا يخف أن الأنظمة العربية غالبا ما تهمل الإرادة الشعبية لحظة صناعة القرار على المستوى الرسمي هذا إن كان ذلك يتم بإرادة النخبة الحاكمة بمعزل عن امتلاءات خارجية. واتبعت الولايات المتحدة فور صعود نجمها سياسات اقتصادية محكمة طبقتها من أجل فرض تبعية جديدة، بحيث اشتملت تلك السياسات على مجموعة إجراءات على الدول إتباعها لإحداث تغييرات جذرية في البنى الاقتصادية في الدول العربية، ومن أهمها:
أولاً: تقليص حجم القطاع العام عبر خصخصته.
ثانياً: تحرير التجارة الخارجية من كافة القيود المفروضة.
ثالثاً : رفع القيود على نشاطات الادخار والاستثمار وكذلك على حركة رأس المال.
رابعاً : رفع الوصاية عن البنك المركزي ومنحه الاستقلالية الكاملة.
ولكنني لا أغفل هنا أن تبعية النظام السياسي العربي الجديدة للولايات المتحدة لا تختلف في الشكل والمضمون عن طبيعة علاقة التبعية التي كانت تربط الأحزاب الشيوعية العربية بالاتحاد السوفيتي خلال الحقبة الستالينية.
ولأن لكل حقبة زمنية تحالفاتها ومسميتها أيضا ظهرت في مرحلة ما بعد حرب الخليج عام 1991 حالة من التحالف الوثيق بين نظم سياسية عربية كثير والولايات المتحدة، وصلت إلى درجة سلب استقلالية القرار السياسي إما نتيجة لوجود قوات عسكرية أمريكية في تلك الدول، أو لان تلك الدول تستقبل مساعدات غذائية وعسكرية أمريكية بشكل مباشر، ليتبلور محوران في المنطقة. الأول يضم دول الخليج العربي ومصر والأردن والأنظمة الحاكمة في المغرب العربي والتي تتحالف مع سياسة الولايات المتحدة وإن كانت الأخيرة لا تدع مناسبة وإلا وتستفز فيها تلك الأنظمة سعيا لدفعها لإقامة علاقات أوثق مع إسرائيل، أو ضخ المزيد من النفط، ودأبت الخارجية الأمريكية على استخدام حقوق الإنسان والحريات العامة "المنتهكة" لابتزاز أنظمة متحالفة معها. والمحور الثاني أطلق عليه اسم محو " الممانعة" والذي ضم دولا وحركات سياسية معارضة وامتد من إيران إلى سوريا وحزب الله في جنوب لبنان وحماس في قطاع غزة ، وأظهر هذا المحور تحديا لسياسات واشنطن في المنطقة، مستغلا مراحل تاريخية معينه كتورط عسكري للولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان وعدم قدرتها على فتح جبهات جديدة، ومن هنا يمكن ملاحظة حالة من الحرب الباردة بين العرب المنتمين الى هذين المحورين وعمدت الولايات المتحدة الى دعم الدول التي تسير في فلكها ما زاد من الخلافات العربية العربية والتي تجلت في القمة العربية الأخيرة في دمشق، وهذا يعكس عدم استقلالية في صنع القرار السياسي العربي نتيجة لتحالف أغلب النظم السياسية العربية مع أمريكا التي أصبحت تتحكم حتى بالقرار في هذه الدول.
يلاحظ أيضا ان النظم السياسية العربية غالبا ما تكون متلهفة لمتابعة أخبار الانتخابات الأمريكية وهو ما يعكس حالة من التبعية للإدارات الأمريكية المتعاقبة التي تنجح غالبا في صنع اعتداء للنظم السياسية العربية إما من جيرانهم كإيران بعد اختفاء نظام صدم حسين، أو من شعوبهم كما في الدول العربية الأفريقية أو بتغذية حركات متمردة كالذي يجري في السودان. وهو امر يمكن اعتبارات خارجية في صنع القرار العربي في العادة.