فلسطين هبطت للدرك الأسفل في سلم حرية الرأي والتعبير عام 2007
تقارير "ديوان المظالم" تدين السلطة والقضاء.. فمن يقتص للمواطن؟
الرقابة.. أولى المهمات التي تضطلع بها الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن التي تأسست "كديوان للمظالم" في فلسطين بمرسوم رئاسي عام 1993، وتنتشر فروعها في الضفة وغزة.
يوم الاثنين الماضي سلمت الهيئة للرئيس محمود عباس نسخة كاملة من تقريرها السنوي الثالث عشر الخاص بعام 2007، تضمن إحصائيات مقلقة؛ فقد زاد عدد الضحايا الفلسطينيين جراء الاقتتال الداخلي والفلتان الأمني وخلفيات الثأر على عددهم إثر الاعتداءات الإسرائيلية. ورصد التقرير بطئا شديدا في عمل المحاكم الفلسطينية ليتم تدوير 7430 قضية مرتبطة بجرائم خطيرة من عام 2007 إلى عام 2008، ما يزعزع ثقة المواطن بالقضاء.
ولفت التقرير أيضا إلى أن منظمة دولية أعطت فلسطين درجة 158 من أصل 169 في مدى توفر حرية الرأي والتعبير، علما أن مرتبتها عام 2006 كانت 134.
مخالفات متكررة
ومن خلال عمليات الرقابة التي يجريها مندوبوها، تشكو الهيئة من مخالفات متكررة تقوم بها الأجهزة الأمنية المختلفة بتأخير عرض الموقوفين على القضاء، أو عرض المدنيين على القضاء العسكري بشكل مخالف للقانون خاصة بعد الانقسام الأخير وسيطرة حماس على القطاع.
منسق وحدة الشكاوى في مكتب رام الله المحامي موسى أبو دهيم يؤكد أن الهيئة تتابع كافة الشكاوى الواردة إليها عدا تلك التي تكون معروضة أمام أي جهة قضائية أو تكون خارجة عن نطاق اختصاصها، ويتابع أن الهيئة وبعد تلقي الشكوى تتمكن في 50%-60% من الحالات من إنصاف المواطن وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وفي باقي الشكاوى تكون ردود الجهات الرسمية غير مرضية للمواطن والهيئة على حد سواء، خاصا بالذكر الردود النمطية لدى الأجهزة الأمنية التي تنفي في أغلبها تعرض المواطن لأي انتهاك. إلا أن أبو دهيم يستدرك بقوله: إنه وخلال 2007 تم تسجيل نتائج وصفها بالمهمة في مناهضة التعذيب، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى اعتذار من قاموا بالتعذيب أو المسؤولين عنه للضحايا وأمام الملأ والإعلام في بعض المرات.
حالا تعذيب موثقة
ومن أهم التقارير التي أصدرتها الهيئة خلال العام الجاري تقرير تقصي حقائق وفاة المواطن "مجد البرغوثي" في مقر تحقيق المخابرات العامة/ رام الله بتاريخ 22/2/2008 والذي امتنعت الصحف المحلية عن نشر خلاصته في حينه باستثناء الحياة الجديدة، ومما استنتجه التقرير أن "اعتقال البرغوثي وتوقيفه كانا عبارة عن احتجاز غير قانوني، ولم يقم أفراد الأمن بالتعريف على أنفسهم عند اعتقاله في قرية كوبر ولم يكن لديهم مذكرة توقيف أو اعتقال، وقد تعرض للتعذيب والضرب والشتم والشبح أثناء وجوده في مقر التحقيق، ومن عدة محققين وفي أكثر من وقت كما اتضح من الإفادات والصور والدلائل التي حصلت عليها الهيئة وجود علامات لإصابات على جسد البرغوثي، عدا عن إدخاله لمستشفى خالد باسم "أيمن" مرتين خلال توقيفه ولم يدخل باسمه الحقيقي وفق الأصول الطبية المتبعة".
وقد أوصى التقرير الموسع الذي أصدرته الهيئة حول الحادثة: "بتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية القانونية لوفاة المواطن مجد البرغوثي، وإصدار التعليمات اللازمة من اجل معاقبة المسؤولين". منوها إلى أن الهيئة لم تتمكن- في إطار عملها كهيئة وطنية لحقوق الإنسان- من زيارة مركز التوقيف الذي كان يحتجز فيه البرغوثي خلال شهر شباط رغم محاولاتها المتكررة لذلك.
وفي تقرير آخر وحادثة مشابهة ولكن في قطاع غزة الخاضع لسيطرة حماس، تم تسجيل حالة وفاة أحد المواطنين أثناء اعتقاله في سجن المشتل الذي سيطرت عليه كتائب عز الدين القسام بعد الحسم العسكري في غزة، واتخذت منه مقرا رئيسيا لها، على الرغم من أنها ليست قوة مكلفة بإنفاذ القانون، وهذا ما جاء في تقرير أصدرته الهيئة في آذار الماضي. وأوضحت فيه أيضا أن مندوبيها سجلوا في شباط أن عدد المعتقلين في المشتل بلغ 85 موقوفا، وتبين للهيئة "أنه لم يتم اتباع الإجراءات القانونية لدى توقيفهم".
هذا في المشتل، ماذا عن سجن غزة المركزي؟ فقد وصف مندوب الهيئة الأوضاع في المعتقل الذي يعود بناؤه إلى العهد الانجليزي بقوله: "تخيلوا غرف هذا السجن التي تجاوز عمرها المئة عام، تملأ جدرانها الرطوبة والعفن، أسقفها تتهاوى منها قطرات المياه، برد شديد لا يتحمله إنسان، رائحة كريهة في كل مكان، أغطية بالية". ودعا المندوب كافة المسؤولين إلى زيارة هذا السجن ويتخيلوا أن أبناءهم محتجزون فيه.
وقف رواتب وفصل من الخدمة
"عدم الالتزام بالشرعية" ذريعة اتخذتها كل من حكومة تسيير الأعمال في الضفة والحكومة المقالة في غزة، لوقف رواتب موظفين، والفصل من الخدمة؛ فمنذ الحسم العسكري، رصدت الهيئة أن من يكون على رأس عمله في القطاع يوقف راتبه لتعامله مع جهة "غير شرعية"، وهناك عدد من الموظفين في الضفة الغربية على رأس عملهم ولكنهم حرموا أيضا من رواتبهم بسبب عدم التزامهم بالشرعية رغم أنهم يتلقون الأوامر من حكومة سلام فياض. علما أن قانون الخدمة المدنية والخدمة في قوى الأمن الفلسطينية لم ينصا إطلاقا على حرمان أي موظف من راتبه على خلفية التزامه أو عدمه بـ"الشرعية".
واقع الإعلام
وحول واقع الإعلام في أراضي السلطة الوطنية، جاء في العدد الأخير من فصلية حقوق الإنسان الصادرة الهيئة، أن هناك سلسلة انتهاكات طفت على المشهد الإعلامي الفلسطيني، نشأت في دائرة الفعل ورد الفعل، كـ"إقفال مؤسسات إعلامية، واعتداء على صحافيين في شقي الوطن، وتورط الصحافيين أنفسهم في تغذية حالة الانقسام، وأجسام تمثيلية للصحافيين منقسمة على نفسها، ورواج ثقافة الرواية الواحدة وتبادل أسلوب التعتيم أو أسلوب التضخيم للأحداث والمواقف حسب الجغرافيا السياسية أو الميول الحزبية، وتأويل الحقائق وبث التحريض وتعميق الفرقة والشرخ المجتمعي واجتزاء وتصرف وتأويل وتوظيف للمواقف والأحداث بما يخدم سياسة الحكومة بفرعيها، وكذلك استخدام غير مهني للإعلام الإلكتروني وشبكة الانترنت".
وأضافت فصلية الهيئة: "كانت آخر "صيحة" في انتهاك أصول العمل الإعلامي المهني ما قام به كل من تلفزيوني فلسطين والأقصى عندما تم استخدامهما في مناسبتين كمنصة محاكمة واعتراف، كما فعل تلفزيون فلسطين في محاكمة الشاب مؤيد بني عودة، وتلفزيون الأقصى الذي بث اعترافات لأشخاص اتهموا بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء في الحكومة المقالة إسماعيل هنية".
فكل هذا أدى إلى تشويه الإعلام الفلسطيني وحرفه عن دوره، وتوظيفه لخدمة هذا الحزب وتلك الجهة.
تجاوزات هيئة الحج والعمرة
تقرير آخر للهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن حول موسم الحج الأخير، لمست فيه تنفيذا لبعض توصياتها السابقة وإغفالا لأخرى؛ إذ لم يتم اعتماد آلية القرعة في اختيار عدد كبير من الحجاج، ولم يعلن عن أسمائهم في الصحف المحلية ووسائل الإعلام الأخرى، لا سيما على المقاعد الإضافية التي حصلت عليها فلسطين قبل يومين فقط من بدء مراسم الحج، وعددها (900)، ولم يتم وضع أسس وشروط واضحة ومكتوبة للآلية المتبعة في اختيار المرشدين الدينيين، وآلية اختيار الحجاج من الحالات المرضية، وتحديد الجهات الرسمية التي تتدخل في عملية الاختيار وأسس هذا التدخل. وليس هذا فقط فلم تعمل كل من الحكومة المقالة وحكومة تسيير الأعمال على تجنيب الحجاج أزمة التجاذبات السياسية.
تجدر الإشارة إلى أن رقابة الهيئة على مؤسسات السلطة تُنفذ من خلال زيارات ميدانية للمؤسسات المدنية والأمنية "مراكز التوقيف" من قبل مندوبين، لرصد أي انتهاكات لحقوق الإنسان فيها، وتؤكد الهيئة في هذا المضمار أن مندوبيها يتفقدون سجون السلطة شهريا لمتابعة أوضاع النزلاء قانونيا وصحيا ومعيشيا، بعد أخذ مواعيد مسبقة من المسؤولين، وما زالت تواجه "صعوبات" في تنظيم زيارات مفاجئة، مشيرة إلى أن القوانين المنظمة لعمل السجون في السلطة جيدة من الناحية النظرية، ولكنها تصطدم عمليا بغياب الإمكانيات المادية؛ فالسجن النموذجي وفقا للقانون الدولي تتوفر فيه كافة المرافق الحياتية كالساحات والعيادات الطبية، ويحول "العجز المادي" دون تحقيق ذلك في سجون السلطة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق